التيه والجنون في تراتيل أنثى / القسم الأول

تركنا
الشاعرة وهي تدخل تلك الصحراء ، لا تلوي على شيء غير بصيص من نور تريد أن
تراه ، أو تتلمس خطاه ، فها هو الشوق والحنين جعلا من شاعرتنا شخصا آخر ...
غير ذلك الشخص ... كيان صار عبارة عن شوق وحنين ، التحمت صورتهما فيها ...
واتحدتا ...
تركها ذلك الشوق والحنين في صحراء لا أول ولا آخر لها ...
وهنا نشاهد العمق والزخم العاطفي الذي تحشد فيه شاعرتنا هذا المعنى عندما
تقول :

وترتلني أغاني العاشقين
وتبيعني التيه وتمضي
( مقطع من القصيدة 14 غربة )

فهذا
الشوق قد سلمها إلى ذلك التيه الوجداني ، وتنقلنا إلى صورة أخرى ...
وكأنها جارية عند ذلك الشوق ... الشوق ( الذي عرفنا من هو ) ... إنها لا
تملك من زمام أمرها أي شيء فهو الذي يقوم بعقد الصفقة ويتم البيع إلى (
التيه ) ...
تائهة لا تعرف إلى أين يودي بها ذلك الطريق الخالي ... حيث
تختفي العلامات والدلالات ، ويكون ذلك القلب الحنين عرضة لهذه الحيرة ،
إنها نلك الممرات والمطبات التي تصادف فاطمة ... فاطمة التي تاهت واستسلمت ،
ورفعت الراية البيضاء ... ورغم تلك المشاعر الجامحة للعودة إلى سابق العهد
... فإنها تظل تلك الأنثى التي لا ترى إلا تراتيلها سلوة وأغاني العاشقين
مطية ... لم تستطع ... بل تاهت ، وبيعت بابخس الأثمان ، فهي ترى نفسها
مرغمة ولا خيار لها سوى أن تقبل بان تتيه ...
وتسير في تلك الصحراء ...
وتتردد في داخلها ذكريات كثيرة ... وبأسلوب هو اقرب للجدلية ، نرى أن هذه
الصحراء قد تحولت إلى وجدان شاعرتنا الذي انتقل عبر الروح لتناجي ، تلكم
الأحبة الغائبين ، بلسان اقرب ما يكون شكاية وحسرة وألم ...
تنادي احدهم
وكم تتكرر هذه المناداة في تراتيل أنثى تتكرر مرارا والى جهة واحدة ...
وتكاد أن تشير بلسانها التعبيري إلى تلك الجهة التي نوهنا عنها في الحلقات
السابقة ...

وتيهي بك
( مقطع من القصيدة 17 انتظار )

ولا نعلم هذا الانتقال من ذلك البعد الصحراوي إلى ذلك البعد النفسي الوجداني ...
لقد
باعها الشوق إلى التيه وكأنها قبلت أن تتيه في ذلك المنادى ... الذي طالما
نادته ... وفي كثير من الأحيان لم يسمعها ... أو انه سمعها ولم يبال
بندائها ...
توسل هو شبيه بذلك التوسل الذي لاحظناه في شوقها وحنينها ...
وإذا
لم تسمع أي جواب من المنادى تهرب وتركض في صحراء الرمز السريالي ، وما هو
من التعبيري ببعيد بل هو تعبيري لمن دقق النظر وشاهد الحركة وتأمل فيها ...
تهرب
وهي تريد أن تصل إلى شيء ؟؟؟ وفي نفس هذا الهروب هي باحثة عن ذلك الشيء في
رمال الصحراء المترامية .. وتصل الذات هنا إلى أصعب مرحلة يمكن أن يتصورها
وجدان أي إنسان ... يشعر ويتأثر ... وما اقرب المعنى ...

فهربت
ابحث عما ينأى المسافات
( مقطع من القصيدة 15 رؤيا )

هروب
من شيء من ذلك الظل المختفي ، في تلك المسافات ، حيث الراية البيضاء تخفق
والانكسار على أشده والخوف من المجهول ... وماذا تتوقع أن يكون حال الشخص
العاطفي ( الأنثى ) في جوف صحراء ...
أن شاعرتنا تريدنا أن نستفسر ونتوقف ... نتأمل ... ثم علينا إلا نحكم ... بل علينا أن ننظر نشاهد نترقب ...
في هذه اللحظة بالذات تكشف الشاعرة عن مكنون لم يبدو واضحا .. ولم نعرف عنه أي شيء ..
لقد يئست من البحث وتوقفت بعد ذاك الجري في لا شعورها تلتقط أنفاس حرى ... مأسورة من شوق مباعة لتيه ، تريد هواءا نقيا تتنفسه ...
وحدة
تشدنا في تلك التراتيل وتجعل من المتأملين مرهونين بالحدث ... قد يغفلون
مقطعا ... وينسون آخرا ... وحدة من المصداقية وبساطة في التعبير مع عمق في
المعنى ... هذا ما لا يمكن لأي متأمل إنكاره ...
تريد شاعرتنا بعض النسمات التي قد تحييها ...
وحتى لا ننسى ، نعيد الشريط :
فاطمة تباع من الشوق إلى التيه ... تخاف وتهرب باحثة عن أي منجى ... تتعب تقف ... تتنفس بصعوبة ... تريد هواءا نقيا ...
ومرة
أخرى ... تناجي ذلك القريب ... بل مرات ... إنها تائهة بذلك القريب ...
إنها تريده بكل كيانها ... تبحث عنه ولا تسام ولم يدخل السام قلبها ...
سلمت إليه .. كل مشاعرها ...
ونكمل الحكاية في الحلقة القادمة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تَعَالِي . . . لَي

كَمَا قَدْ تُشْرِقُ اَلْأَنْوَارُ

فِي لَيْلٍ إِذَا نَزَلَتْ يَدُ اَلشَّمْسِ