صدر مؤخرًا، عن مكتبة الدار العربية للكتاب، رواية بعنوان «أحلام ممنوعة» للكاتبة «نور عبد المجيد»، وتقع الرواية فى 340 صفحة من القطع المتوسط، وفيها تواصل نور عبد المجيد طريقتها السلسة فى السرد، بتفصيل وإحكام، بحيث تسيطر على عالمها، وتحرك خيوطه لخدمة هدفها النهائى من الاستعارة الكبرى، وهى هنا الحكاية، التى تمثل الحياة، أو النهر الكبير الذى يجرف فى طريقه كل شىء، ويبتلع الأنهار الصغيرة، فى دائرة وجودية، تجعل من حياة البشر معاناة دائمة ومحاولات دائمة للفكاك من هذا الأسر الوجودى.

هذه المرة تذهب نور عبد المجيد، إلى عالم المهمشين، وتسقط فى دائرة وجودهم، ووجوديتهم، وترصد فقرهم وتطلعاتهم وتتوحد معها، وفى أحيان كثيرة، تخلق مساحة - وجودية - كافية لتأمل هذا العالم، ورصد تفاصيله وإحباطاته، حيث تبرع الكاتبة فى التقاط اللحظات الإنسانية والنفسية لسكان العشوائيات والفقراء، ومتعهم البسيطة، ورضائهم بهذا القليل، وحلمهم الدائم بالخروج إلى الهواء الطلق.

وترصد الكاتبة أبطالها منذ لحظة ميلادهم، وتتابع رحلتهم فى الحياة، وتحاول السيطرة على مصائرهم لكنهم يتمردون عليها، فالعالم الإنسانى فى «أحلام ممنوعة» يقف فيه الفقر فى مواجهة الطموح، والعجز الجنسى فى مواجهة التحقق الإنسانى، والعطف والحنان فى مواجهة ظرف اجتماعى مسدود لا يسمح بالمرور إلى أعلى، ويظل هذا العالم يغلى بكائناته حتى ينفجر فى وجه الجميع، لا يفرق بين الغنى والفقير، أو العاجز والمتحقق، فالعدالة فيه غائبة، ولا يكون الحل إلَّا بالثورة التى تأتى فى النهاية ليعثر الجميع على طريقة جديدة لحياته.

والرواية بشخصياتها الكثيرة، ومداها الزمنى الواسع تكتسب صبغة ملحمية، حيث ينصهر الجميع فى بوتقة الواقع ومصارعة الأقدار لتحقيق حلم السعادة، وفى وسط هذا الغنى تبرز شخصيات سردية ذات غنى خاص مثل «وداد» و«نجية» و«جابر» و«مراد» وآخرين يشكلون رقعة شاسعة تتحرك على أرضيتها الرواية لنشهد أحد ملامح المجتمع المصرى قبل ثورة يناير المجيدة التى تأتى فى ختام الرواية كجملة موسيقية تفك جميع الألغاز.

فـ«وداد» مثلًا، التلميذة النجيبة المكافحة المتفوقة، يقف الفقر دائمًا حائلًا دون بلوغها ما تتمنى، وهى على صغر سنها، تفهم مشكلتها جيدًا وتحدد هدفها من الحياة، وتعرف مشكلتها ومشكلة مجتمعها كله وتلخصه فى فقرة دالة: «ستحصل على أعلى الشهادات، وستبقى تقرأ الروايات وكتب الدين والفلسفة وكل ما تفهمه وتستطيع قراءته. ويومًا ما ستنتشلهم جميعًا من فقرهم.. من جهلهم، ومن ألمهم.. وتثبت لهم أنهم لو يومًا تعلموا.. لو يومًا قرأوا، ما مرض جابر، ولا شقيت نجية، ولا ضاع محمود».

وتصر الكاتبة على طريقتها فى خلق الثنائيات المتضادة وصنع المفارقات الاجتماعية والنفسية، لإبراز مدى قسوة وبشاعة الواقع الذى تحيا فيه الشخصيات، ومشهد «لوزة» إحدى ضحايا الثورة وهى ترقب شذوذ الأثرياء، غارق فى الدراما، وفاضح لكل هذه التناقضات.

«وبطرف عينيها رأت السيارة الفارهة تتقدم إلى الأمام لتقف إلى جوار الرصيف، وبعد ثوانٍ قليلة رأت قائدتها تتركها، وهى تخطو حيث تقف، كانت شابة فى أوائل العشرينيات..عيناها ملونتان.. وشعرها أشقر ناعم.. ترتدى ثوبًا له أكمام طويلة، ويقف أسفل ركبتها.. تبدو من عائلة ثرية وأيضًا محتشمة!! هذا هو شذوذ الأثرياء المدللين.. الذين يمارسون الشذوذ بسبب الفراغ، لا بسبب الفقر والحاجة.

رفعت «لوزة» عينيها دون وعى إلى السماء كأنها تسألها: هل يتساويان فى السخط والعقاب؟».

نور عبد المجيد، كاتبة وروائية، تعمل فى الصحافة حيث شغلت منصب مسئول تحرير مجلة «مدى» السعودية لمدة عامين، ومنصب مساعد رئيس تحرير مجلة «روتانا»، ولها الآن عمود ثابت فى مجلة «كل الناس» الأسبوعية، وهى بالإضافة إلى ذلك متعددة المناحى الإبداعية، شعرًا ورواية حيث صدر لها من قبل ديوان شعرى بعنوان: «وعادت سندريلا حافية القدمين»، رواية "الحرمان الكبير" ورواية «نساء ولكن»، ورواية «رغم الفراق»، ورواية «أريد رجلًا».



.................................